صديق الحسيني القنوجي البخاري

156

أبجد العلوم

المنظر الثاني في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم « 1 » « وذلك من الغريب الواقع ، لأن علماء الملة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم العجم إلا في القليل النادر ، وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته ، مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي . والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة ، وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر اللّه ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه . والقوم يومئذ غرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ، ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة . وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين ، وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله « القرّاء » أي الذين يقرءون الكتاب ، وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا ، فقيل لحملة القرآن يومئذ « قرّاء » إشارة إلى هذا ، فهم قراء لكتاب اللّه والسنة المأثورة عن رسول اللّه ، لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما كتاب اللّه وسنتي » . فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية ، وتقييد الحديث مخافة ضياعه . ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه . ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة . وفسد مع ذلك اللسان ، فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية ، وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباطات ، والاستخراج ، والتنظير ، والقياس . واحتاجت إلى علوم أخرى ، وهي وسائل لها من معرفة قوانين العربية ، وقوانين ذلك الاستنباط والقياس ، والذبّ عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد . فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم ، فاندرجت في جملة الصنائع . وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها ، فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها . والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف ، لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس . فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من

--> ( 1 ) انظر هذا الفصل في مقدمة ابن خلدون ( ص 628 - 631 ) دار الكتب العلمية .